صابونة أم أسعد

ماتت “قطف جميل قدورة” (أم أسعد)، الاسبوع الماضي، عن خمسة وثمانين عاماً. هي سيدة فلسطينية من بلدة سحماتا في قضاء عكا. هجّرت من ديارها عام 1948 وهي لم تتجاوز الثامنة والعشرين ربيعاً. عاشت في لبنان سبعة وخمسين عاماً. تنقلت بين بعلبك والرشيدية واستقرت في الغازية الى ان افتقدها الله في 27 تموز الماضي. كان يمكن ان تكون وفاة أم أسعد طبيعية وعادية جدا، كأي أم فلسطينية تموت خارج ارضها وترابها. هي بالطبع شهيدة، على قاعدة “من مات دون أرضه فهو شهيد”. لكن ام أسعد ارادت ان يكون لموتها صدى أبلغ من اي شهادة حمراء او قصيدة عصماء. كل الفلسطينيين الذين هجروا من ديارهم بغير حق، حملوا معهم ما خفّ حمله. منهم من اكتفى بمفتاح الدار على امل العودة السريعة. بات المفتاح رمزاً للعودة.. ولمّا يزل. أم أسعد قرأت باكراً ان العودة قد تطول. حملت معها رمزين غاليين: صابونة من زيت الزيتون الفلسطيني، وخصل من شعر اختها التي افتقدها الله في ريعان الصبا قبل النكبة بثلاثة عشر عاما. حرصت أم أسعد على هاتين النفيستين حرصها على فلذات الأكباد. قالت لزوجها والأولاد:”مش مسامَح يا أبو أسعد يوم ما موت ، إلا تغسّلوني بها الصابونة، وتحطّوا شعرات أختي مخدة تحت راسي في القبر”. .. وكان لها ما أرادت الاسبوع الماضي حين انتقلت الى دار الخلود. غُسّلت أم أسعد بصابونة من فلسطين عمرها سبعة وخمسون عاماً، حملتها من شتات الى شتات، ومن مخيم الى مخيم، ومن تشريد الى تشريد، كل هذا الزمن الطويل. ووضع شعر اختها مخدة تحت رأسها بعدما احتفظت به سبعين عاماَ. يروي اولاد ام اسعد والاهل والجيران مئات الحكايا والقصص عن الشهيدة التي ماتت دون ارضها.. “كانت حنونة، رقيقة، عطوفة.. لو سمعت أن ثمة جائعاً في اقاصي نيكارغوا، لامتنعت يوماً كاملاً عن الطعام”.. عام 1982، اعتقل الاسرائيليون نجلها أحمد وزجّوا به في معتقل أنصار في جنوب لبنان. ذهبت يوماً لزيارته في المعتقل وهي تحمل له بعض الطعام. منعها الجندي الاسرائيلي من مقابلته، وحال دون وصول الطعام اليه. اقتربت من الجندي وناولته الطعام قائلة: “خذ هذا الطعام.. فأنت أيضاً بعيد عن أمك”. أنجبت “قطف جميل قدورة” ثمانية اولاد. ثلاثة صبيان وخمس بنات. كبروا جميعاً وتزوّجوا وأنجبوا، حتى باتت حولها قبيلة من الاحفاد واولاد الاحفاد. روت لهم آلاف القصص والحكايا عن سحماتا وعكا وفلسطين وذكريات عبرت من زمن الطفولة والشباب. غذّت مخيلتهم بآلاف الاحلام، بكل جميل عن الارض والبيارات واشجار الزيتون وشطآن البحر على أسوار عكا. زرعت في اجسادهم أحلام العودة من دون ان تسمع بالقرار 194. فهموا الدرس جيداً: فلسطين مرض عضال في جسد كل فلسطيني. جرح لا يلتئم. وجع لا يخفّ، لا يبرأ صاحبه، لا يغسله الا الموت.. ألهذا السبب أبت أم أسعد إلا أن تغسل وجعها بصابونة من فلسطين؟!ا
واصف عواضة
Assafir

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s